فصل: قال القرطبي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال ابن عطية:

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وابن عامر، وحمزة {بينُكم} بالرفع، وقرأ نافع والكسائى {بينَكم} بالنصب أما الرفع فعلى وجوه، أولاها أنه الظرف استعمل اسمًا وأسند إليه الفعل كما قد استعملوه، اسمًا في قوله تعالى: {من بيننا وبينك حجاب} [فُصّلت: 5] وكقولهم فيما حكى سيبويه أحمر بن بين العينين، ورجح هذا القول أبو علي الفارسي، والوجه الآخر أن بعض المفسرين منهم الزهراوي والمهدوي وأبو الفتح وسواهم حكوا أن البين في اللغة يقال على الافتراق وعلى الوصل فكأنه قال لقد تقطع وصلكم.
قال القاضي أبو محمد: وفي هذا عندي اعتراض لأن ذلك لم يرو مسموعًا عن العرب وإنما انتزع من الآية، والآية محتملة، قال الخليل في العين والبين الوصل.
لقوله عز وجل: {لقد تقطع بينكم} فعلل سوق اللفظة بالآية، والآية معرضة لغير ذلك، أما إن أبا الفتح قوى أن البين الوصل وقال: وقد أتقن ذلك بعض المحدثين بقوله: قد أنصف البين من البين.
والوجه الثالث من وجوه الرفع أن يكون البين على أصله في الفرقة من بان يبين إذا بعد، ويكون في قوله: {تقطع} تجوز على نحو ما يقال في الأمر البعيد في المسافة تقطعت الفجاج بين كذا وكذا عبارة عن بعد ذلك، ويكون المقصد لقد تقطعت المسافة بينكم لطولها فعبر عن ذلك بالبين الذي هو الفرقة، وأما وجه قراءة النصب فأن يكون ظرفًا ويكون الفعل مستندًا إلى شيء محذوف وتقديره لقد تقطع الاتصال أو الارتباط بينكم أو نحو هذا.
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا وجه واضح وعليه فسره الناس: مجاهد والسدي وغيرهما، وجه آخر يراه أبو الحسن الأخفش وهو أن يكون الفعل مسندًا إلى الظرف ويبقى الظرف على حال نصبه وهو في النية مرفوع، ومثل هذا عنده قوله: {وإنّا منا الصالحون ومنا دون ذلك} [الجن: 11] وقرأ ابن مسعود ومجاهد والأعمش {تقطع ما بينكم} بزيادة ما و{ضل} معناه تلف وذهب، و{ما كنتم تزعمون} يريد دعواهم أنها تشفع وتشارك الله في الألوهية. اهـ.

.قال القرطبي:

{لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} قرأ نافع والكسائِيّ وحَفْص بالنصب على الظرف، على معنى لقد تقطع وصلُكم بينكم.
ودلّ على حذف الوصل قوله: {وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ}.
فدلّ هذا على التقاطع والتهاجر بينهم وبين شركائهم: إذ تبرءوا منهم ولم يكونوا معهم.
ومقاطعتهم لهم هو تركهم وصلهم لهم؛ فحُسن إضمار الوصل بعد {تقطّع} لدلالة الكلام عليه.
وفي حرف ابن مسعود ما يدلّ على النصب فيه {لقد تقطّع ما بينكم}.
وهذا لا يجوز فيه إلا النصب، لأنك ذكرت المتقطّع وهو ما.
كأنه قال: لقد تقطّع الوصل بينكم.
وقيل: المعنى لقد تقطّع الأمر بينكم.
والمعنى متقارب.
وقرأ الباقون {بَيْنُكُمْ} بالرفع على أنه اسم غير ظرف، فأسنِد الفعل إليه فرُفع.
ويقوّي جعل بين اسما من جهة دخول حرف الجر عليه في قوله تعالى: {وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} [فصلت: 5] و{هذا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ} [الكهف: 78].
ويجوز أن تكون قراءة النصب على معنى الرفع، وإنما نصب لكثرة استعماله ظرفًا منصوبًا وهو في موضع رفع، وهو مذهب الأخفش؛ فالقراءتان على هذا بمعنى واحد، فاقرأ بأيّهما شئت.
{وَضَلَّ عَنكُم} أي ذهب.
{مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} أي تكذّبون به في الدنيا رُوي أن الآية نزلت في النضر بن الحارث.
ورُوي أن عائشة رضي الله عنها قرأت قول الله تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} فقالت: يا رسول الله، واسوءتاها إن الرجال والنساء يحشرون جميعًا، ينظر بعضهم إلى سَوْءة بعض؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لكل امرئ منهم يومئذ شأنٌ يُغْنِيه لا ينظر الرجال إلى النساء ولا النساء إلى الرجال شُغل بعضهم عن بعض». وهذا حديث ثابت في الصحيح أخرجه مسلم بمعناه. اهـ.

.قال أبو حيان:

{لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون}.
قرأ جمهور السبعة {بينكم} بالرفع على أنه اتسع في الظرف وأسند الفعل إليه فصار اسمًا كما استعملوه اسمًا في قوله: {ومن بيننا وبينك حجاب} وكما حكى سيبويه هو أحمر بين العينين ورجحه الفارسي أو على أنه أريد بالبين الوصل أي لقد تقطع وصلكم قاله أبو الفتح والزهراوي والمهدوي وقطع فيه ابن عطية وزعم أنه لم يسمع من العرب البين بمعنى الوصل وإنما انتزع ذلك من هذه الآية أو على أنه أريد بالبين الافتراق وذلك مجاز عن الأمر البعيد، والمعنى: لقد تقطعت المسافة بينكم لطولها فعبر عن ذلك بالبين، وقرأ نافع والكسائي وحفص {بينكم} بفتح النون وخرجه الأخفش على أنه فاعل ولكنه مبني على الفتح حملًا على أكثر أحوال هذا الظرف وقد يقال لإضافته إلى مبني كقوله: {ومنا دون ذلك} وخرجه غيره على أن منصوب على الظرف وفاعل {تقطع} التقطع، قال الزمخشري: وقع التقطع بينكم كما تقول: جمع بين الشيئين تريد أوقع الجمع بينهما على إسناد الفعل إلى مصدره بهذا التأويل انتهى.
وظاهره ليس بجيد وتحريره أنه أسند الفعل إلى ضمير مصدره فأضمره فيه لأنه إن أسنده إلى صريح المصدر، فهو محذوف فلا يجوز حذف الفاعل وهو مع هذا التقدير فليس بصحيح لأن شرط الإسناد مفقود فيه وهو تغاير الحكم والمحكوم عليه، ولذلك لا يجوز قام ولا جلس وأنت تريد قام هو أي القيام، وقيل: الفاعل مضمر يعود على الاتصال الدال عليه قوله: {شركاء} ولا يقدر الفاعل صريح المصدر كما قاله ابن عطية قال: ويكون الفعل مستندًا إلى شيء محذوف تقديره: لقد تقطع الاتصال والارتباط بينكم أو نحو هذا وهذا وجه واضح وعليه فسره الناس مجاهد والسدّي وغيرهما انتهى، وقوله إلى شيء محذوف ليس بصحيح لأن الفاعل لا يحذف، وأجاز أبو البقاء أن يكون بينكم صفة لفاعل محذوف أي لقد تقطع شيء بينكم أو وصل وليس بصحيح أيضًا لأن الفاعل لا يحذف والذي يظهر لي أن المسألة من باب الإعمال تسلط على {ما كنتم تزعمون} تقطع وضل فأعمل الثاني وهو ضل وأضمر في {تقطع} ضمير ما وهم الأصنام فالمعنى {لقد تقطع بينكم} {ما كنتم تزعمون} وضلوا عنكم كما قال تعالى: {وتقطعت بهم الأسباب} أي لم يبق اتصال بينكم وبين {ما كنتم تزعمون} أنهم شركاء فعبدتموهم وهذا إعراب سهل لم يتنبه له أحد، وقرأ عبد الله ومجاهد والأعمش {ما بينكم} والمعنى تلف وذهب ما {بينكم} وبين {ما كنتم تزعمون} ومفعولًا {تزعمون} محذوفان التقدير تزعمونهم شفعاء حذفًا للدلالة عليهما كما قال الشاعر:
ترى حبهم عارًا عليّ وتحسب

أي وتحسبه عارًا، ولأبي عبد الله الرازي في هذه الآية كلام يشبه آراء الفلاسفة قال في آخره وإليه الإشارة بقوله تعالى: {لقد تقطع بينكم} والمعنى أن الوصلة الحاصلة بين النفس والجسد قد انقطعت ولا سبيل إلى تحصيلها مرة أخرى انتهى.
وليس هذا مفهومًا من الآية. اهـ.

.قال الألوسي:

{لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} بنصب بين وهي قراءة عاصم والكسائي وحفص عن عاصم، واختلف في تخريج ذلك فقيل: الكلام على إضمار الفاعل لدلالة ما قبل عليه أي تقطع الأمر أو الوصل بينكم، وقيل: إن الفاعل ضمير المصدر، وتعقبه أبو حيان بأنه غير صحيح لأن شرط إفادة الإسناد مفقودة فيه وهو تغاير الحكم والمحكوم عليه ولذلك لا يجوز قام ولا جلس وأنت تريد قام هو أي القيام وجلس هو أي الجلوس.
ورد بأنه سمع بدا بداء، وقد قدروا في قوله تعالى: {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيات لَيَسْجُنُنَّهُ} [يوسف: 35] بدا البداء.
وقال السفاقسي: إن من جعل الفاعل ضمير المصدر قال: المراد وقع التقطع والتغاير حاصل بهذا الاعتبار ولو سلم فالتقطع المعتبر مرجعًا معرف بلام الجنس و{تُقَطَّعَ} منكر فكيف يقال اتحد الحكم والمحكوم عليه.
ولا يخفى أن القول بالتأويل متعين على هذا التقدير لأنه إذا تقطع التقطع حصل الوصل وهو ضد المقصود وقيل: إن بين هو الفاعل وبقي على حاله منصوبًا حملًا له على أغلب أحواله وهو مذهب الأخفش، وقيل: إنه بني لإضافته إلى مبنى، وقيل غير ذلك.
واختار أبو حيان أن الكلام من باب (التنازع سلط) على ما كنتم تزعمون تقطع وضل (عنكم) فأعمل الثاني وهو {ضَلَّ} وأضمر في {تُقَطَّعَ} ضميره.
والمراد بذلك الأصنام، والمعنى لقد تقطع بينكم ما كنتم تزعمون وضلوا عنكم كما قال تعالى: {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الاسباب} [البقرة: 166] أي لم يبق اتصال بينكم وبين ما كنتم تزعمون أنهم شركاء فعبدتموهم.
وقرأ باقي السبعة {بَيْنِكُمْ} بالرفع على الفاعلية وهو من الأضداد كالقرء يستعمل في الوصل والفصل، والمراد به هنا الوصل أي تقطع وصلكم وتفرق جمعكم، وطعن ابن عطية في هذا بأنه لم يسمع من العرب أن البين بمعنى الوصل وإنما انتزع من هذه الآية.
وأجيب بأنه معنى مجازي ولا يتوقف على السماع لأن بين يستعمل بين الشيئين المتلابسين نحو بيني وبينك رحم وصداقة وشركة فصار لذلك بمعنى الوصلة.
على أنه لو قيل بأنه حقيقة في ذلك لم يبعد، فإن أبا عمر.
وأبا عبيدة وابن جني والزجاج وغيرهم من أئمة اللغة نقلوه وكفى بهم سندًا فيه، فكونه منتزعًا من هذه الآية غير مسلم، وعليه فيكون مصدرًا لا ظرفًا.
وقيل: إن بين هنا ظرف لكنه أسند إليه الفعل على سبيل الاتساع.
وقرأ عبد الله: {لَقَد تَّقَطَّعَ مَا بَيْنِكُمْ} وما فيه موصوفة أو موصولة {وَضَلَّ عَنكُم} ضاع وبطل {مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} أنها شفعاؤكم أو أنها شركاء لله تعالى فيكم أو أن لا بعث ولا جزاء. اهـ.

.قال ابن عاشور:

وجملة: {لقد تقطّع بينَكم} استئناف بياني لجملة: {وما نرى معكم شفعاءكم} لأنّ المشركين حين يسمعون قوله: {ما نَرى معكم شفعاءكم} يعتادهم الطّمع في لقاء شفعائهم فيتشوّفون لأن يعلموا سبيلهم، فقيل لهم: لقدْ تقطَّع بينكم تأييسًا لهم بعد الإطماع التهكمي، والضّمير المضاف إليه عائد إلى المخاطبين وشفعائهم.
وقرأ نافع، والكسائي، وحفص عن عاصم بفتح نون {بينَكم}.
ف (بينَ) على هذه القراءة ظرف مكان دالّ على مكان الاجتماع والاتّصال فيما يضاف هُو إليه.
وقرأ البقيّة بضمّ نون {بينكم} على إخراج (بين) عن الظّرفية فصار اسمًا متصرّفًا وأسند إليه التقطّع على طريقة المجاز العقلي.
وحذف فاعل تقطّع على قراءة الفتح لأنّ المقصود حصول التقطّع، ففاعله اسم مُبهم ممّا يصلح للتقطّع وهو الاتّصال.
فيقدّر: لقد تقطّع الحَبْل أو نحوُه.
قال تعالى: {وتقطَّعت بهم الأسباب} [البقرة: 166].
وقد صار هذا التّركيب كالمثَل بهذا الإيجاز.
وقد شاع في كلام العرب ذكر التقطّع مستعارًا للبعد وبطلان الاتّصال تبعًا لاستعارة الحبل للاتّصال، كما قال امرؤ القيس:
تَقَطَّعَ أسبابُ اللُّبانةِ والهوى ** عَشِيَّة جاوزنا حَمَاةَ وشَيْزَرا

فمن ثمّ حسن حذف الفاعل في الآية على هذه القراءة لدلالة المقام عليه فصَار كالمثل.
وقدّر الزمخشري المصدر المأخوذ من {تقطّع} فاعلًا، أي على إسناد الفعل إلى مصدره بهذا التّأويل، أي وقع التقطّع بينَكم.
وقال التفتازاني: الأوْلى أنّه أسند إلى ضمير الأمْر لتقرّره في النّفوس، أي تقطّع الأمْر بينكم.
وقريب من هذا ما يقال: إنّ {بينكم} صفة أقيمت مقام الموصوف الّذي هو المسند إليه، أي أمر بينكم، وعلى هذا يكون الاستعمال من قبيل الضّمير الّذي لم يذكر مَعاده لكونه معلومًا من الفعل كقوله: {حتّى توارت بالحجاب} [ص: 32]، لكن هذا لا يعهد في الضّمير المستتر لأنّ الضّمير المستتر ليس بموجود في الكلام وإنّما دعا إلى تقديره وجود مَعاده الدّال عليه.
فأمّا والكلام خليّ عن معاد وعن لفظ الضّمير فالمتعيّن أن نجعله من حذف الفاعل كما قرّرته لك ابتداء، ولا يقال: إنّ {توارت بالحجاب} ليس فيه لفظ ضمير إذ التّاء علامة لإسناد الفعل إلى مؤنّث لأنَّا نقول: التّحقيق أنّ التّاء في الفعل المسند إلى الضّمير هي الفاعل.
وعلى قراءة الرّفع جعل {بينكم} فاعلًا، أي أخرج عن الظّرفية وجعل اسمًا للمكان الّذي يجتمع فيه ماصْدق الضمير المضاف إليه اسم المكان، أي انفصل المكان الّذي كان محلّ اتّصالكم فيكون كناية عن انفصال أصحاب المكان الّذي كان محلّ اجتماع.
والمكانية هنا مجازيّة مثل {لا تقدّموا بين يدي الله ورسوله} [الحجرات: 1]
وقوله: {وضلّ عنكم} عطف على {تقطّع بينكم} وهو من تمام التهكّم والتأييس.
ومعنى ضلّ: ضدّ اهتدى، أي جهل شفعاؤكم مكانكم لمّا تقطّع بينكم فلم يهتدوا إليكم ليشفعوا لكم.
و(ما) موصولة ماصْدقها الشفعاء لاتّحاد صلتها وصلة {الّذين زعمتم أنّهم فيكم شركاء}، أي الّذين كنتم تزعمونهم شركاء، فحذف مفعولا الزّعم لدلالة نظيره عليهما في قوله: {زعمتم أنّهم فيكم شركاء}، وعُبّر عن الآلهة بـ (ما) الغالبة في غير العاقل لظهور عدم جدواها، وفسّر ابن عطيّة وغيره ضَلّ بمعنى غاب وتلف وذهب، وجعلوا (ما) مصدريّة، أي ذهب زعمكم أنّها تشفع لكم.
وما ذكرناه في تفسير الآية أبلغ وأوقع. اهـ.